أحمد بن محمود السيواسي
325
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
صادق فيما قال لقد قطعت أرضه ولكني ما أدري كم هي ؟ ولكنه يأخذ ما يشاء من أرضي ومثلها معها بما أكلت من ثمارها ، فقال رسول اللّه عليه السّلام : « من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفني » « 1 » . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 97 إلى 98 ] مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 ) ونزل ( مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى ) وإنما فصله مع عمومه لكون « من » متناولا للذكور في الظاهر دون الحقيقة ، فبينه ليعم الثواب الموعود النوعين جميعا ، أي كل شخص يعمل عملا صالحا من الفريقين كالصلاة وقراءة القرآن ( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) الواو للحال إيماء به إلى أن العمل الصالح لا يقبل بدون الإيمان ( فَلَنُحْيِيَنَّهُ ) في الدنيا ( حَياةً طَيِّبَةً ) أي « رزقا حلالا » « 2 » ، قاله ابن عباس أو « قناعة » « 3 » ، قاله الحسن ، وقيل : « استقامة في طاعة اللّه » « 4 » ، وقيل : رزق يوم بيوم من حيث لا يحتسب « 5 » ، وقيل : التوفيق في القلب مع حلاوة العبادة « 6 » ، وقيل : الحياة الطيبة في الآخرة الجنة ، إذ لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة « 7 » ( وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ ) أي ثواب أعمالهم ( بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 97 ] ولما كان من جملة الأعمال الصالحة التي يجزي اللّه على أحسنها الثواب في الجنة جودة القراءة « 8 » في الصلاة التي هي وجه دين اللّه ورئيسه ، أورد عقيب العمل الصالح قوله ( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ) أي إذا أردت قراءته في الصلاة أو في غيرها وإنما عبر بلفظ الفعل عن إرادته لملابسة ظاهرة بينهما وهي وجوده عندها من غير فاصل ( فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ) أي التجئ به وتعوذ ( مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ) [ 98 ] أي المرجوم أو المطرود . والاستعاذة سنة عند قراءة القرآن ، والأكثر على أنها قبل القراءة خلافا لمالك عملا بالظاهر ، وهي أن يقول أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، قال ابن مسعود : « قرأت على رسول اللّه ، فقلت ابتدأ أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ، فقال عليه السّلام : قل أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم ، هكذا أقرأنيه جبرائيل عن القلم عن اللوح المحفوظ » « 9 » ، ومعنى الاستعاذة الاستعظام باللّه من السوء . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 99 ] إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) ( إِنَّهُ ) أي إن الشيطان ( لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ ) أي تسلط وحجة ( عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا ) أي وحدوا اللّه ، يعني لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريده من اتباعهم إياه « 10 » ( وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) [ 99 ] أي يعتمدون في أمورهم دون غيره ، يعني ليس له ولاية على أن يحملهم على ذنب لا يغفر . [ سورة النحل ( 16 ) : آية 100 ] إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 ) ( إِنَّما سُلْطانُهُ ) أي ولايته ( عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ) أي يطيعون ويدخلون في ولايته ( وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ ) أي باللّه ( مُشْرِكُونَ ) [ 100 ] الباء للسببية والضمير ل « الشيطان » .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد بن حنبل ، 4 / 412 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 447 . ( 2 ) انظر السمرقندي ، 2 / 249 ؛ والبغوي ، 3 / 448 ؛ والكشاف ، 3 / 162 ؛ والقرطبي ، 10 / 174 . وطاعة اللّه ، + م . ( 3 ) انظر البغوي ، 3 / 448 ؛ والكشاف ، 3 / 162 ؛ والقرطبي ، 10 / 174 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 2 / 249 ( عن علي ) . ( 4 ) وقال مقاتل بن حيان نحوه . قاله ابن عباس أو قناعة قاله الحسن وقيل استقامة في طاعة اللّه ، ب س : - م . ( 5 ) ولم أجد له مأخذا في المصادر التي راجعتها . من حيث لا يحتسب ، س : - ب م . ( 6 ) أخذه عن الكشاف ، 3 / 162 . ( 7 ) اختصره من السمرقندي ، 2 / 249 ؛ والبغوي ، 3 / 448 . ( 8 ) القراءة ، ب م : القرآن ، س . ( 9 ) انظر الكشاف ، 3 / 162 . ( 10 ) يعني لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريده من اتباعهم إياه ، ب م : - س .